الارشيف / أخبار عاجلة

الإعلام والأزمات

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الإعلام والأزمات, اليوم الأحد 1 مارس 2020 02:03 صباحاً

اشترك لتصلك أهم الأخبار

يرى أستاذ الصحافة والدبلوماسية العامة، الأمريكى فيليب سيب، أن الأساليب التقليدية لصنع السياسة الدولية أوقات الأزمات «قد تم تجاوزها بفعل تأثير الإعلام الجديد، وتطور بيئة الاتصال»، وأن القدرة على إحداث التأثير المطلوب فى أوقات الصراع باتت تتطلب أساليب جديدة، وهى أساليب تنطلق من ضرورة التخلى عن فكرة «الرسائل المباشرة البسيطة»، التى يتم توجيهها من آلة الدعاية الحكومية.

ثمة أمثلة عديدة على مقاربات دعائية أثبتت فشلًا عظيمًا، مثل تلك التى قامت بها الدعاية الناصرية فى مواكبة هزيمة يونيو 1967، أو تلك التى اعتمدتها الحكومة العراقية خلال حرب الخليج الأولى مع إيران (1980- 1988)، وما تلاها خلال أزمة احتلال الكويت، وصولًا إلى تحريرها، الذى انتهى باحتلال العراق نفسه، وكان عنوانًا لهزيمة فكرة الدعاية المباشرة الفجة.

يصعب جدًا أن تتجاهل أى حكومة تأثير الإعلام ودوره فى صناعة الرأى العام، وهو دور لا يقل بطبيعة الحال عن أدوار مؤسسات الدولة الصلبة.

لكن الاعتقاد بأن المعارك يمكن أن تُكسب فقط بالإعلام هو اعتقاد خاطئ، والاعتقاد بأن المعارك يمكن أن تُخسر، والدول يمكن أن تنهار، بالإعلام فقط أيضًا اعتقاد خاطئ.

يأخذنا هذا إلى حسابات دقيقة لدور الإعلام فى الأزمات والصراعات السياسية، والذى نعرف أنه مهم وحيوى، لكنه لا يقوم مقام المؤسسات الأخرى ولا يُغنى عن أدوارها.

سيأتى بعض القادة ليحاولوا أن يبالغوا فى أهمية الإعلام لكى يلعب أدوار مؤسسات أخرى، أو يحولوه إلى أدوات دعاية فجة مباشرة، على اعتبار أن أصوات الهتاف والتأييد العالية يمكن أن تغطى على جوانب القصور والخلل، وهو أمر أثبت عدم جدواه بطبيعة الحال، واتضح أن الأفضل هو بناء مجال إعلامى متعدد ومنفتح وقوى ومسؤول، عوضًا عن الأساليب التى جربتها الحكومات قبل عقود طويلة ولم تثبت نجاحًا.

تعطينا إسرائيل مثلًا مكتملًا فى هذا الصدد، فغداة إعلانها بدأ رئيس الوزراء آنذاك، ديفيد بن جوريون، بتأسيس عدد من الهيئات والمنظمات، التى رأى أنها ضرورية وحيوية لتعزيز الدولة الوليدة، التى تعيش فى محيط من العداء، وتواجه التحديات الجسام.

من أولى الهيئات التى حرص «بن جوريون» على تأسيسها آنذاك «هيئة رؤساء تحرير الصحف»، وهى الهيئة التى ألزمت السلطات من خلالها جميع رؤساء التحرير فى صحف الدولة كافة بالاشتراك فى عضويتها، والامتثال لقراراتها.

تحدث «بن جوريون»، فى اجتماع تدشين الهيئة، لرؤساء تحرير الصحف، ليعطيهم ما يمكن وصفه بالتوجيه الاستراتيجى لعملهم، فقال: «يجب علينا أن نزن أقوالنا، ولا نعطى العدو معلومات، ولا نزرع الفتنة والفوضى فى شعبنا».

ستستمر إسرائيل بعد ذلك فى الامتثال لتوجيه «بن جوريون» الاستراتيجى، وستسخر آلة الدعاية والإعلام من أجل الإعلام الحربى، حتى إن رئيس الوزراء اللاحق، «شارون»، سيضم إلى صلاحياته سلطة «الرقابة على أنظمة البث»، فى عام 2001.

لكن التطورات التى طرأت على أنظمة الاتصال، وحالة الانفتاح والتعدد التى ميزت الوسط الاتصالى الدولى والإقليمى والمحلى لاحقًا، ستجبر الدولة العبرية على إجراء تغييرات جوهرية فى تلك الاستراتيجية.

سيأتى المُنظِّرون الإسرائيليون لاحقًا ليطالبوا إعلام الدولة العبرية بـ«كسب العقول والقلوب»، بموازاة «تحطيم معنويات الأعداء والخصوم، ورفع الروح المعنوية للمقاتلين والشعب».

ستحافظ إسرائيل لاحقًا على مجال إعلامى منفتح ومتعدد إلى حد ما، وستسمح بوجود أصوات معارضة، وستنشر صحافتها موضوعات مُوثَّقة عن فساد فى الحكومة، وستطول بعض تلك الموضوعات رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، كما لن تستثنى وزارة الدفاع.

تشير التجارب التى مرت بها إسرائيل فى هذا الصدد إلى تحول جوهرى، سيمكن وصفه بأنه أخذ آلة الدعاية والإعلام المصاحبة للحرب من موقع «الدعاية الفجة» إلى مساحة واسعة تعتمد «استراتيجية متكاملة»، قائمة على قدر مناسب من الإتاحة والتعدد والتنوع وحرية توجيه النقد المسؤول، وهى تجربة جديرة بالدراسة بكل تأكيد.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا